الأحد 15 سبتمبر 2019
أراء و مقالات
تطور الإسلام السياسي في مصر - (السنين الصعبة E)
 مقدمة:

كان هناك تشابكا بين الدين والحكم بدرجات مختلفة وفي دول مختلفة وأديان مختلفة. لكن من القرن الثامن عشر بدأ إنفصال الدين عن الدولة في كثير من الدول ما عدا معظم الدول الإسلامية. وسأركز في مقال اليوم عن التطورات الحديثة في مصر.

التشابك التاريخي في الإسلام:

كان نبي الإسلام رئيسا دينيا ومدنيا للمناطق التي تحت سيطرته. ومن بعده جاء ما سموهم خلفاء بداية بأبي بكر ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان ثم على ابن أبي طالب، وتبعه بعد ذلك حكومات وراثية تبدأ بالدولة الأموية ومركزها دمشق حتى العثمانية وعاصمتها اسطنبول (القسطنطينية سابقا). وأثناء القرن الثامن عشر والتاسع عشر ضعفت هذه الامبراطورية وحاولت بعض الدول التابعة لها الإنفصال من الناحية العملية حتى ولو كانت نظريا تابعة لها. وحدث هذا في مصر تحت سيادة محمد على ووارثيه. وفي شبه الجزيرة العربية كانت هناك عائلتان تتنازع القيادة وهم محمد بن عبدالوهاب وعائلة سعود. وانتهت بالإتفاق أن يكون آل سعود مسئولين عن الحكم المدني بينما يكون الوهابيون منوطون بالإشراف على الأمور الدينية. ولم تكن لهم أهمية على الصعيد العالمي حتى اكتشف البترول بكميات هائلة والذي أصبح مهما جدا بعد اختراع السيارة في أواخر القرن التاسع عشر والتي تحتاج للبترول وليس الفحم الذي كان يستعمل في البواخر والقطارات. وهكذا أصبح تمويل الأفكار الوهابية لمن يشاركهم من المسلمين حول العالم سهلا ومتوافراً.

الوهابية في مصر:

بدأت مصر في طريقها لحكومة مدنية بدستور 1923 بعد تفكك الدولة العثمانية بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى. لكن الفكر الوهابي وجد شخصا يحتضنه وهو حسن البنا الذي أسس جماعة الإخوان المسلمين عام 1928 كجمعية دينية تدعو للتمسك بالدين ومحاربة الملاهي والدعوة إلى إقامة دولة إسلامية. ونشر خطابات ضد أقباط مصر مثل العمل على دفعهم للجزية التي ألغيت عام 1855 أو إعتناقهم للإسلام أو أن يتركوا البلد تحت شعار الإسلام أو الجزية أو السيف. وكذلك طالبت الجمعية بعدم التعامل مع غير المسلمين.
وتقابل حسن البنا مع الملك عبدالعزيز آل سعود عام 1936 ولا نعلم ما دار بينهما لكن بعدها بدأت الأموال السعودية تتدفق على الجماعة مما أعطاهم المقدرة على إنشاء مستوصفات وخدمات إجتماعية عديدة بدون مقابل مما ساعد على نشر دعوتهم وإنتماء شباب كثير لجماعتهم.
وعندما زادت المشاكل الإقتصادية أثناء الحرب العالمية الثانية نادوا بأن الإسلام هو الحل. وعندما تأسست دولة إسرائيل عام 1948 ودخول الدول العربية في الحرب معها طافوا الشوارع يهتفون «اليوم يوم الصهيونية وغدا يوم النصرانية» وكان الملك فاروق يرى فيهم منافس لحزب الوفد الذي كان يكرهه إذ كان يتحداه في طريقة الحكم. لكن لما رأى الملك ان تغلغلهم وزيادة قوتهم ربما تكون خطرا عليه أعطى للنقراشي رئيس الوزراء الضوء الأخضر لحل الجمعية عام 1948 والتي بعدها بقليل أغتيل النقراشي ثم بعد عدة شهور دبر الملك إغتيال حسن البنا لكن بهذا الوقت كانت أفكارهم قد تغلغلت بين الشباب الثانوي والجامعي. وأتذكر عام 1948 وأنا طالب في مدرسة الأمير فاروق الثانوية ببني سويف أن الشخص المسئول عن الحديقة الواسعة بالمدرسة كان معروفا بأنه من الأعضاء القيادية للإخوان المسلمين وكان يلبس بدله لكن كان له لحية طويلة. وكان يعقد إجتماعات مع بعض الطلبة في الحديقة أثناء فسحة الظهر. وطبعا لا أدري ماذا كانوا يناقشون. لكن أحد أصدقائي المسلمين ذكر لي بعد إغتيال النقراشي أن جماعة الإخوان سوف يمسكون بزمام الحكم بعد قليل وأن هذا البستاني سيصبح وزيرا للزراعة مما يعطينا فكرة عن مناقشاتهم وطموحهم السياسي.
ومن الأشخاص الذين أرسوا قواعد الدولة الإسلامية سيد قطب والذي كان يظن في أوائل 1952 أن الوقت قد حان لتولي الإخوان المسلمون الحكم. وفي شهر مايو 1952 بعد حريق القاهرة في يناير 52 دُعي للحديث في قاعة الإحتفالات بجامعة القاهرة وكنت طالبا في إعدادي طب. وسمعنا أنه خطيب مفوه وحضرت مع آلاف الطلبة، وكان جذابا في طريقة إلقائه وترتيب الكلام والجمل بأسلوب حماسي. ولازلت أذكر جملتين مما قال وهما: «لن يهل الهلال حتى يكون الهلالي قد استقال وإن سلكت طريقنا جعلناك مصدقا وإن لم تسلكها سنجعل منك رازمارا آخر». (في عام 1951 قام صراع في إيران بين الحكومة وشركات البترول البريطانية حول كمية المال التي يأخذها كليهما ووافق رئيس الوزراء علي رازمارا على العرض البريطاني فاغتالته جماعة فدائيين الإسلام التي تشبه الإخوان المسلمون في مصر والتي كانت تكره بريطانيا، ثم خلفه محمد مُصدق الزعيم الشعبي الذي حصل على إتفاق أفضل لإيران فعضدوه (نجيب الهلالي تولى رئاسة الوزارة في مصر لمدة 4 شهور فقط، من 2 مارس – 2 يوليو 1952).

ثورة الضباط والإسلام:


كان أعضاء مجلس الثورة عام 1952 متعاطفين وبدرجات مختلفة مع فلسفة الإخوان المسلمين. ولما وجدوا أن عبدالناصر لم يعطيهم الفرصة للدخول في الحكومة حاولوا إغتياله في حادثة منصة المنشية بالأسكندرية عام 1954. وهنا رأى عبدالناصر خطرهم فزج بهم في السجون وحاكم الكثير من قادتهم وأعدم البعض مثل سيد قطب وغيره.
لكن عبدالناصر لم يقوم بهذا حبا في الدولة المدنية أو الأقباط بل لأنه لم يرد أحدا أن ينافسه في الزعامة. ويظن البعض أن عهد عبدالناصر كان عهدا ذهبيا للأقباط لكنني سأعرض حقائق عنها بطريقة حيادية.
1- أسس الجامعة الأزهرية بتوسيع كلياتها لتضم ليس فقط ما يتعلق بالشريعة الإسلامية بل أيضا كليات ليس لها علاقة بالدين مثل الطب وقصر دخول هذه الكليات على الطلبة المسلمين مع أنها مدعومة من الحكومة.
2- جعل الأوقاف القبطية تحت إشراف وزارة الأوقاف الإسلامية.
3- ألغى المحاكم الملية التي كانت مسئولة عن الخلافات العائلية القبطية من الجهة القانونية.
4- حاول الإستيلاء على أرض الأنبا رويس عام 1954 لاستعمالها لأغراض حكومية، ولولا تدخل البطريركية والمجلس الملي وشباب النهضة الحديثة لمدارس الأحد مثل نظير جيد (الأنبا شنودة فيما بعد) والقس صليب سوريال وغيره لضاعت تلك الأرض التي هي الآن القلب النابض للكنيسة القبطية وخدماتها.
5- ساهم في تأسيس المؤتمر الإسلامي وكان الضابط أنور السادات سكرتيرا له والذي صرح عام 1965 أنه في خلال عشر سنوات سيصبح أقباط مصر ماسحي أحذية أو شحاذين.
6- أمم المدارس القبطية وغيرها والتي أصبحت تابعة لوزارة التربية والتعليم ووزيرها كمال الدين حسين الذي أدخل الدين كمادة أساسية للنجاح والرسوب في المدارس بعد أن كانت مادة إضافية.
7- أطلق يد الشباب الجامعي المسلم بالإجتماع في مباني الجامعة والذين تغلغلوا بسرعة وأذكر عام 1954 وأنا طالب بكلية الطب إنتخابات إتحاد الطلبة التي نجح فيها كل أعضاء جماعة الإخوان وفشل المرشح القبطي الوحيد مع ان عدد الأقباط كان حوالي ربع الدفعة.
ذكرياتي مع الإخوان:
كانت هناك ما يسمى مجلة الحائط خارج مبنى المشرحة في مبنى القصر العيني القديم وكان الطلبة يلصقون عليه مقالات عامة بإمضائهم. وفي ذات يوم رأيت مقالة عنوانها «الإنجيل يتنبأ عن مجئ النبي محمد» معتمدا على آيات أذكر منها «يعطيكم معزيا آخر ليمكث معكم إلى الأبد» (يو15:14) و «فهو يعلمكم كل شيء» (يو26:14). وطبعا يرى القارئ أن هذه كلها تشير إلى الروح القدس.
وكنت بالصدفة أقرأ كتابا للقمص سرجيوس عنوانه «هل تنبأت التوراة أو الإنجيل عن محمد» والتي فيها يدحض أقوال من يقولوا بهذا. وكشاب في الثامنة عشرة من عمري ممتلأ حماس طائش نقلت أجزاء من الكتاب في مقالة وألصقتها بجانب مقالة الزميل المسلم تحت إمضائي. وفي اليوم التالي استحضرني أستاذ الكيمياء الحيوية الذي كان يشرف على إتحاد الطلاب في مكتبه وقال لي: «أنت عايز تبدأ فتنة طائفية في الكلية». أجبته لا.. لكنني وجدت مقالا رددت عليه عملا بحرية الرأي». وبعدها أزيلت المقالتان.
وبالنظرة الخلفية كان في استطاعة هذا الأستاذ أو غيره تعقيد حياتي في الكلية لكن هذا والحمد لله لم يحدث، وإنما كان التمييز واضحا مع زميل لي إسمه مجدي يعقوب والذي كان أكثر الطلبة في دفعتنا ذكاء ومعرفة لكنهم أعطوه في الإمتحانات الشفوية درجات منخفضة، وهكذا كان ترتيبه في البكالوريوس التاسع، بدلا من الأول. وكلنا نعرف باقي قصة الدكتور مجدي يعقوب جراح القلب العالمي الذي قدرته إنجلترا بإعطائه لقب «سير».

ناصر والأقباط:


كان للرئيس جمال عبدالناصر تطلعات عالمية مثل مجموعة دول عدم الإنحياز ومجموعة الدول الأفريقية وزعامة الدول العربية حتى أنه ألغى كلمة مصر Egypt من إسم الدولة الرسمي وجعله الجمهورية العربية المتحدة حتى بعد أن انفصلت سوريا ولم نصبح متحدين مع أحد. لكن كانت هناك أحداث دعته إلى التقارب مع قداسة البابا كيرلس السادس والتي نتجت عنه أحداثا عظمية مثل إشتراك الحكومة في بناء الكاتدرائية القبطية الجديدة بالأنبا رويس وتسيهل بناء دير مارمينا بمريوط. وطبعا لا يعلم النيات إلا الله لكن حسب تقديري أنه أراد أن يُظهر للعالم أنه رئيس عادل.

السادات والأقباط:


أطلق الرئيس أنور السادات يد الجماعات الإسلامية تعيث في الأرض فسادا وكرئيس لكل المصريين لم يعلن جهارا شعوره نحو الأقباط الذي كان معروفا منذ عام 1965 في مقولته المذكورة أعلاه في السعودية، لكنه وضع بصمته على كثير من التشريعات بادخال الشريعة الإسلامية في الدستور. وبقوله عام 1980 أنه رئيس مسلم لدولة مسلمة. وحدثت أثناء حكمه أمورا كثيرة زادت من الصعوبات التي يعانيها الأقباط في حياتهم والتي ستكون موضوع مقالات عدة مستقبلية... وتصبحوا على خير.


لا توجد تعليقات لهذا الخبر
جزيرة سانيا بالصين


أكبر مزرعة صناعية في وادي الملاك بمصر


البث المباشر
تابعونا
أستطلاع الرأي
نتيجة إستطلاع الرأي في:
هل توافق على منح الجنسية المصرية مقابل وديعة مالية بمبلغ 7 ملايين جنيه مصري؟
نعم
16 %
لا
60 %
غير مهتم
0 %
هل توافق على منح الجنسية المصرية مقابل وديعة مالية بمبلغ 7 ملايين جنيه مصري؟
  نعم
  لا
  غير مهتم
بريد القراء
عزيزى القارئ يمكنك التواصل معنا بأراءك و افكارك فى اى مواضيع ترغب فى طرحها
للتواصل معنا, برجاء إضغط هنا
بريد القراء
ماهر منير
أهنئكم بعيد الميلاد ال15 لجريدتنا الغراء ارثوزكس نيوز .. اللي بنستناها من اسبوع لاسبوع ولما نلاقيها في الكنيسه كأننا وجدنا جوهره ثمينه لما تحتويه من مواضيع مختلفه في كل م ...... »
المزيد
مارجريت شاكر
اصدق مجلة وأكثر مجلة احتراما ً في امريكا شكراً لأصحابك الكرام استاذ عزمي حنا ومدام ماري الي الامام دائماً ...... »
المزيد
Karam Mikhail
Orthodox News More than Excellent . Well- arranged, updated, nothing is missing, political news , essays , photos , religious affairs , church news , warnings against wea ...... »
المزيد
ماري
شكرا لوضعكم الجريده علي الانترنيت لاننا نشتاق ان نقرأها كل يوم وشكرا علي مجهودكم في محاولة تغطيته كل الاحداث ربنا يبارك. ...... »
المزيد
AMAL MONEER
الموقع جميل ربنا يبارك عملكم ...... »
المزيد
أخبار الرياضة
حسام البدرى يقترب من تدريب منتخب مصر
 الأثنين 27 أغسطس 2019 أصبح اختيار الجهاز الفني الجديد لمنتخب مصر هو الشغل الشاغل للمسئولين عن الرياضة في مصر، لاسيما اللجنة المؤقتة التي تدير الجبلاية، حيث إنه من المقرر أن يتم الإعلان بشكل رسمي عن المدير الفني الجديد للفراعنة وجهازه المعاون خلال الفترة المقبلة. ورغم أن اتحاد الكرة أصدر بيان أكد خلاله، أنه ...... »
المزيد
الرياضة اليوم
- كأس الأمم الإفريقية في كرة القدم - القاهرة - تأهلت الجزائر بعزيمة المرشح الفارض نفسه في الميدان، وبتدرج الواقعية لحقت بها تونس الى الدور نصف النهائي لبطولة كأس الأمم الإفريقية لكرة القدم المقامة في مصر. في مواجهة هذه وتلك، ستكون نيجيريا الخطرة دائما، و"أسود" السنغال - انتقالات الدوري الأميركي لكرة السلة - ...... »
المزيد
مباراة إياب النهائي بين الترجي والوداد ستعاد على أرض محايدة
الجمعة 7 يونيو 2019 قرر الاتحاد الإفريقي لكرة القدم الأربعاء إعادة مباراة الدور النهائي من دوري الأبطال بين الترجي التونسي والوداد البيضاوي المغربي خارج ...... »
المزيد
محمد صلاح يزين التشكيلة المثالية للدورى الإنجليزى 2018 - 2019
 الأثنين 13 مايو 2019 اختار موقع "هوسكورد" العالمي المتخصص في إحصائيات كرة القدم، محمد صلاح نجم منتخب مصر ونادي ليفربول فى التشكيلة المثالية للن ...... »
المزيد